أسماء الغول - بين لوحات مروان باشي ومعوقات الكتابة عند المرأة وتقرير المعرفة: غزة، فعاليات ثقافية غير نمطية
28 Apr, 2010
غزة - أسماء الغول - خاص "سكايز"
انطلقت مع بداية نيسان، باقة من الفعاليات الثقافية والفكرية المتميزة في مدينة غزة، والتي جاء معظمها من قبل مبادرات وجماعات شبابية مثقفة، وقد نافست هذه الفعاليات الثقافية في حضورها وتميزها وتنظيمها وعدم نمطيتها، ما تنظمه المؤسسات الدولية والأهلية من ورش عمل ومؤتمرات وندوات، رغم أن معظمها اعتمد على التمويل الذاتي، أو على منح صغيرة من بعض المتبرعين.
معوقات الكتابة عند المرأة
أولى تلك الفعاليات، كانت حلقة نقاش نظمها "صالون إدوارد سعيد الفكري" في مقر مؤسسة "بال ثنك"، وتحدثت خلالها د.مي نايف عن "معوقات الكتابة عند المرأة"، موضحة أن العادات والتقاليد وعدم ثقة المرأة بكتابتها، أبرز المعوقات، مضيفة أن "المرأة المبدعة أدبياً غالباً ما تعتمد على ناقد أو أديب رجل يكتب مقدمة كتابها حتى لو قلل من قيمة كتابتها خلال هذه المقدمة".
وتابعت: "هناك الرقيب الذاتي للكاتبة يتحكم في نصوصها الأدبية"، لافتة إلى ان "المعيار الذي يقيس به المتلقي كتابة المرأة معيار ذكوري فرضته المؤسسة الثقافية الذكورية"، ومؤكدة "أبوية النقاد الذين يرفضون كل ما من شأنه الخروج على المعيار الذكوري".
وأوضحت أن "الناشر ذو فكر ذكوري يخاف من الخسارة إذا ما كسر المعيار، فلا يلجأ إلى نشر الأعمال النسائية. وتضيف: "عانت الشاعرات والكاتبات وما زلن يعانين من النشر، ولقد قام الحاج مدبولي رحمه الله بإعدام كتب للكاتبة نوال السعداوي وحرقها بعد أن كان هو الناشر لأعمالها".
والغريب أن بعض الكتاب من الحضور ومن المحسوبين على التيارين الليبرالي والإسلامي، اتفقوا على نقد موضوع الندوة، واستنكروا حديث د. نايف، واعتبروه مبالغاً فيه، وأن المرأة تاريخياً فتحت لها أبواب الحرية للكتابة والنشر، وشككوا في واقعة السعداوي، ما أثار حفيظة جزء آخر من الحضور معتبرين أن "حركة التحرر النسوية تاريخياً وُجدت بسبب القمع مثلها مثل كل حركات التحرر العالمية، لذلك لا يمكن تبسيط الأمور وتجاهل ظلم متراكم للمرأة خاصة المبدعة"، ومؤكدين وجود عدد من المصادر تذكر واقعة السعدواي، كما أوضحت بعض الكاتبات ممن حضرن الجلسة أنهن على الدوام تحت رقابة أسرية ومجتمعية وذاتية خاصة في حال تم نشر نصوصهن.
ذاكرة في حضرة الغياب
وفي فعالية أخرى نظمها "التجمع الشبابي العلماني"، في تاريخ يتوسط ذكرى ميلاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش وذكرى رحيله، امتلأ "غاليري الاتحاد" بالعائلات للمشاركة في الأمسية الموسيقية والشعرية الهادئة التي استمرت نحو ثلاث ساعات، وتنقلت فقراتها بين غناء قصائد درويش التي لحنها وغناها مرسيل خليفة وفرقة العاشقين، بصوت هيثم المغني، الذي أدى كذلك عزفاً منفرداً على العود، وبين القراءة الشعرية لقصائد محمود درويش بصوت الزجال محمود الناطور، كما ألقت الشاعرة عرب محمد بعضاً من قصائدها، إضافة إلى مساهمات شعرية أخرى لكل من الشعراء الشباب: ندى الخزندار واسعد الصفطاوي ومحمد نجم، وتراوحت نصوصهم بين القصيدة النثرية، والقصيدة الكلاسيكية، وجمعتها ثيمات الغربة والذات والأرض.
وحملت الأمسية عنوان "ذاكرة في حضرة الغياب"، وتميزت بتمرير عريفها إبراهيم الشطلي المايكروفون بين الحاضرين في نهاية الحفل، ليتحدث كل شخص عن الذكرى أو الأمسية أو ما تمليه عليه اللحظة. فهناك من اشتاق لدرويش، وهناك من شكر التجمع الشبابي العلماني، وهناك من اعتبر أن هذه الأمسية "رجّعت غزة لأيام زمان!!".
يوتوبيا... من أجل المعرفة
الفعالية الثالثة نظمتها مجموعة " يوتوبيا، تجمع شبابي من أجل المعرفة"، وتناولت الفصل الأول من تقرير المعرفة في الوطن العربي الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP للعام 2009. واهتمت الندوة التي تحدث خلالها الكاتب والمحاضر الجامعي د.ناصر أبو العطا، بمداخلات الحاضرين من طلبة ومثقفين التي جاءت عديدة وغنية.
وقال أبو العطا: "إن هذا الفصل يعتمد على الإطار النظري لمفهوم المعرفة، موضحاً انه يتطرق إلى التحدث عن فئة المفاهيم الوسيطة التي تدرج في باب إنتاج وإعادة إنتاج الخطاب من المعرفة إلى مجتمع المعرفة". وأوضح أن "مقدرة معرفة في الموروث اللغوي الثقافي في عدة أوجه: المعرفة كنقيض الجهل حيث يطلق اسم العارف على من يتفنن عملاً يقوم به، ثم حين أصبح العارف في الفكر العربي الإسلامي الوسيط محصل المعرفة وحاملها أي أنه المختص في دقائق المعلومات في مجال معرفي بعينه، والمعرفة تعني الظهور والكشف عن المستور والمعروف هو الواضح للنظر حيث تستدعي كلمة النظر الرؤية والمعاينة كما تستدعي الفكرة وفي هذا السياق تفيد المعرفة الانتقال من وضع إلى آخر من الجهل إلى العلم".
وأوضح أن التقرير "ينطلق من فكرة أن هذا العصر هو عصر الرأسمالية الرقمية أو المعلوماتية على غير ما أطلق عليه ماركس في نهاية القرن التاسع عشر أنه عصر الرأسمالية الصناعية"، موضحاً الفرق "بين المعرفة كمعلومة فكانت الأخيرة جزءاً من الأولى، والمعرفة كمفهوم يرتبط بالاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا".
وناقش الحاضرون الإشكاليات التي يطرحها التقرير أمام المعرفة في الوطن العربي ألا وهي: فعالية مشاركة المرأة العربية، وتطور اللغة العربية، وإشكالية الهوية، والحريات السياسية.
وانتهت الندوة بمعرض للكتاب مصغر يحوي مجموعة من الكتب المهمة، كالتصوف لنيكوس كزنتزاكس، وأجزاء كتاب "تاريخ العلم"، ومؤلفات إدوارد سعيد، والحرب والسلام لتولستوي، ورواية إيزابيل اللندي الجديدة "ابنة الحظ" ترجمة صالح علماني، ومجموعة من مؤلفات الأدب الروسي.
... إلى أطفال فلسطين
أما الفعالية الرابعة، فقد جاءت فنية تشكيلية. فللمرة الأولى يفتتح معرض في غزة للفنان التشكيلي الشهير مروان قصاب باشي، الذي طالما توجت لوحاته كتب الأديب عبد الرحمن منيف وأدونيس.
وحمل المعرض عنوان "إلى أصدقائي: أطفال فلسطين"، وقال الفنان السوري عبر الهاتف للحاضرين في يوم الافتتاح في "غاليري التقاء الفنانين"، من مقر إقامته في برلين: "على الفنان أن يبحث في داخله عن الصورة الملحاحة وضرورتها لأن الصورة هي الضمير الذي عاشه المبدع في عصره بامتياز، وبهذا تأتي الصورة إنسانية لكل متلقٍ أينما كان رغم ارتباطهما بزمن معيّن ومكان معيّن، وأنتم يا أطفال فلسطين شهود وعطاؤنا المرتبط بالأمل".
واحتوى المعرض أعمالاً قديمة لباشي في السبعينات وأخرى جديدة، وفي معظمها لوحات لوجوه كثيفة الألم والاضمحلال، كئيبة الأثر، لكنها ليست حزينة بقدر سخريتها، أو كما قال عنها الشاعر الأميركي كيلتون اشيليمان: "في برزخٍ بيننا/ليس نقطة غيبية/بل عمق بين الجلد المسلوخ/ وقناع الموت الخفي".