مأزق الإنسان الحرّ في العالم العربيّ - د. مشير باسيل عون
09 Sep, 2009
د. مشير باسيل عون
أستاذ الفلسفة بالجامعة اللبنانيّة
تعاني المجتمعات العربيّة في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ضروبًا شتّى من الإكراه الذي يبلغ حدود القضاء على حرّيّة الوجدان. فالإعلام الوطنيّ في هذه المجتمعات يخضع لأقسى ألوان العذاب لأنّ الظنّ فيه أنّه خليقٌ بتوعية الناس وإرشادهم إلى سُبُل التحرّر الذاتيّ. ولذلك وجب ترويضه وإخضاعه حتّى لا يسير بالإنسان العربيّ في طريق التحرّر والاستقلال الذاتيّ. ولمّا كانت الشعوب في القرن الحادي والعشرين قد أيقنت أنّ الحرّيّة الآتية من خارج أسوارها لا بقاء لها، فإنّ الأنظمة السياسيّة المحلّيّة والأجهزة الاستخباراتيّة الخارجيّة تنصبّ بثقلها لتزهق هذه التولّدات الناشئة في وجدان الناس التوّاقين إلى التحرّر الذاتيّ عن طريق التعبير الإعلاميّ النزيه الشفّاف.
والغالب في الظنّ، في هذه الأيّام المظلمة، أنّ الأنظمة السياسيّة العربيّة في هذه الدول قد فقدت حرّيّة المبادرة إلى بناء سياساتها الخليقة بإعادة ترميم الإنسان فيها. وهي أضحت أشبه بالدمى التي تحرّكها مصالحُ الخارج ومفاسدُ الأسَر الحاكمة ومنازعُ النزوة التسلّطيّة. فإذا بالمجتمعات التي تحكمها هذه الأنظمة في حراك يائس للفوز بشيء من التحرّر الذاتيّ يتجلّى قسطٌ منه في مبادرات الإعلام العربيّ الجريء الذي ما انفكّ يصارع للانعتاق من سطوة الإغراء والمال. ولشدّة ما ألمّ بإنسان هذه المجتمعات من مصائب التخلّف، أخذ الوعي السياسيّ الفرديّ والجماعيّ ينحو منحى الانهزام والاستسلام والقدَريّة. فالناس في هذه المجتمعات بلغ بهم اليأسُ حدّ الركون إلى أهل الفساد في تدبير شؤون أوطانهم، ويقينهم أنّ أهون الشرور يكون في إراحة الحاكم من اضطرابات الانتفاضة الذاتيّة.
ولا شكّ في أنّ تواطؤ السياسات الخارجيّة والسياسات الداخليّة مكّنت الأنظمة العربيّة الحاكمة من التلاعب بالأمن والقضاء، وهما السلطتان اللتان تضمنان للإنسان العربيّ والمجتمعات العربيّة البلوغ إلى سنّ الرشد والتحرّر والإبداع. وحده الإعلام العربيّ قد يظلّ بعضٌ من دوائره عصيًّا على الترويض والإخضاع. ولذلك نرى الأجهزة الأمنيّة في بضعة من هذه المجتمعات تنقضّ بأمر من الأجهزة القضائيّة التي تسيّرها الأنظمة الحاكمة لتكمّ الأفواه وتحبس الأنفاس. فإذا الإعلام قطاعٌ من قطاعات تجلّي إرادة الاستبداد الحاكم. والجميع يعلم أنّ من علامات تخلّف المجتمعات في القرن الحادي والعشرين أن يقهر الاستبدادُ الحاكم الإعلامَ، فينقلب الإعلامُ منبرًا للدفاع عن الذات الحاكمة. وإنّ من أدهى مصائب الكون أن يقف الإعلام العربيّ في محضر الحاكم المستبدّ ناكس الرأس، خاشع الطرف، عيَّ اللسان. ذلك أنّ الإعلام في المجتمعات المتحضّرة هو مرآة النفس الإنسانيّة التوّاقة إلى التحرّر والتألّّق والإبداع. أمّا في مجتمعاتنا، فالإعلام يتحوّل أداةً تسيّرها إيديولوجيّات الأنظمة المستبدّة ومقولاتها الملتوية.
ومن هذه المقولات أن تدّعي الأنظمة الحاكمة أنّ نقد الممارسة السياسيّة إضعافٌ للشعور القوميّ، وأنّ الإعلام إمّا أن يكون في خدمة الوطن وإمّا أن ينقلب مقلب الخيانة العظمى، وأنّ الدفاع عن الإنسان في هذه المجتمعات العربيّة لا يستقيم إلاّ إذا توفّرت أسباب الدفاع عن الأمّة. غير أنّ الناس أضحت اليوم تدرك أنّ مصالح الأنظمة العربيّة المستبدّة لا شأن لها بمقولات الأمّة والقوميّة والوطنيّة. وكثيرٌ من الأحداث التي ألمّت بالأوطان العربيّة منذ النكسة العربيّة الكبرى أذابت الغشّ وفضحت الزيف ومحّصت الكفاية. وربّ سائل يسأل عن أسباب تقاعس القوى المدنيّة والأهليّة العربيّة وخمولها واستسلامها. فإذا اتّضح للجميع أنّ الأنظمة العربيّة الحاكمة تتذرّع بمصالح الأمّة لتتأبّد في الحكم، فما الذي يمنع هذا الوعي السياسيّ المتّقد من أن يتحوّل فعلاً تاريخيًّا مؤثّرًا في مجرى الأحداث ؟ مثل هذا الاستفسار الفلسفيّ السياسيّ ينبغي أن يستنفر طاقات الذين يتأمّلون في واقع المجتمعات العربيّة في هذه الأوطان البائسة، إذ لا يكفي التذرّع بتعقّد الأوضاع الإقليميّة الضاغطة، وجسامة التحدّيات الاقتصاديّة التي تستثيرها العولمة المتوغّلة في قاع الوعي الإنسانيّ، ودهاء الصهيونيّة المتوحّشة في بثّ سمومها المميتة في المجتمعات العربيّة. الأمر المطلوب هو النظر في بنية الوعي العربيّ والتحرّي عن طبيعته التاريخيّة التي أوشكت أن تتصلّب في هيئة متشنّجة واحدة لا قِبَل للفكر الناقد أن يعالج فيها أسقامها المتراكمة.
وليس من خالص القول أن يدّعي المرءُ أنّ الإنسان العربيّ مفطورٌ على الانقياد والخضوع والائتمار القبليّ العشيريّ. فالإنسان العربيّ إنسانٌ سويٌّ يشارك الإنسانيّة جمعاء مطالبَ العقل ومنازعَ الفؤاد وومضات الكيان. بيد أنّ مرجعيّته الثقافيّة التي تؤثّر فيها أيّما تأثير أحواله الاجتماعيّة والاقتصاديّة هي التي تنسج له ضروبًا من الوعي الذي يُسكنه على رضىً منه في وادي التخلّف المظلم. فإذا كان الإنسان العربيّ من أحوال الكيان الإنسانيّ على حال سواء، كان لا بدّ من النظر في تمخّضات الهويّة الإنسانيّة العربيّة التي تعاقبت بناءاتُها حتّى أنتجت لنا هذه الهيئة المشلولة من الإنسان العربيّ الراهن. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الاستفسار يصيب حقل التفكير السياسيّ الفلسفيّ المحض وحقل التفكير السياسيّ الفعليّ الواقعيّ. ولا يستقيم النظر فيه إلاّ إذا تضافرت على استيضاحه جهودُ العاملين في الحقلَين معًا.
ولمّا كان حقلُ التفكير السياسيّ الفعليّ الواقعيّ معنيًّا بالتحرّي عن وقائع التشويه الخطيرة التي تلمّ بحال المجتمعات العربيّة في مسعاها السياسيّ الداخليّ والخارجيّ، وهي الوقائع التي تنجم عن تواطؤ المصالح الداخليّة والخارجيّة، فإنّ حقل التفكير السياسيّ الفلسفيّ يُعنى حصرًا باستقصاء الأسباب الدفينة التي تجعل المجتمعات العربيّة والإنسان العربيّ خاضعًا لمثل هذه الضروب من التشويه في إدراك حرّيّته والنهوض بها والدفاع عنها وتعزيزها. وقد يكون من عوامل الإفادة في إنجاح مثل هذا الاستقصاء أن يدرك أهل الفكر السياسيّ الفلسفيّ أنّ دوائر القرار السياسيّ الكونيّ الناشطة في إعادة تكون الخريطة الجيوسياسيّة في الشرق العربيّ تدرك إدراك الدهاء المفرط تشنّجاتِ الوعي العربيّ ومقاتلَه الدفينة ومواضعَ سقمه المنحجبة وهشاشته الكيانيّة المستترة. ولذلك ترى أهل الديبلوماسيّة الغربيّة، ولاسيّما الأميركيّة منها، يقاربون واقع التخلّف العربيّ مقاربةً مغرقةً في دهائها تومئ في غير استفزاز إلى مواقع الضعف في البنية الأنتروبولوجيّة العربيّة، وتجتهد على غير ملل في استنفار العصبيّات القاتلة في مثل هذه البنية الأنتروبولوجيّة. وطالما أنّ الوعي العربيّ ما تهيّأ له حتّى اليوم أن يعالج معالجةً صريحةً جريئةً فذّةً مواضع الانعطاب في تركيبته الكيانيّة، فإنّ استغلال هذه المواضع يظلّ هو النشاط الأكثر تأثيرًا في سياسات الغرب واستراتيجيّاته التوسّعيّة.
ولكم يُضحكنا هذا الغرب حين يسارع إلى التنديد بمظالم الأنظمة العربيّة الحاكمة، ويقين الجميع أنّ هذه الأنظمة تستند في معظمها إلى سطوة القرار الاستراتيجيّ الخارجيّ، لا إلى شرعيّة الانتخاب الوطنيّ المحلّيّ. ولقد آن الأوان للإعلام العربيّ المنعتق من سطوة الحاكم المستبدّ أن ينعتق أيضًا من سطوة الراعي الغربيّ. فالفعل السياسيّ الغربيّ الأفعل لا يكون في احتضان الإعلاميّ العربيّ المضطهد أو المثقّف العربيّ المنبوذ، بل يكون في التنديد بالنظام العربيّ المستبدّ، أنّى تجلّت مظالمه، وفي إعانة المجتمعات العربيّة، حين يستقيم وعي التحرّر فيها، على النهوض بثورتها الحقيقيّة، ثورة الانعتاق من تراكم التعقّد في بنية وعيها الذاتيّ، وثورة الإقبال إلى زمن الفعل السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ الإبداعيّ. ولا يصحّ في الغرب أن يمتدحه أهلُ العالم الثالث حين يرضى أهلُ الفكر في الغرب أن تتحكّم استراتيجيّاتُ أنظمته بخياراته الثقافيّة في التعامل مع المجتمعات الأخرى. فكيف يجوز للأنظمة السياسيّة الغربيّة أن تنمّي الأصوليّات الدينيّة حين تستجيب هذه الأصوليّات لمصالحها التوسّعيّة في مواجهة الشيوعيّة السوفياتيّة، وأن تناصبها العداء في حرب كونيّة قسمت الكون إلى عالمين حين يصبح العداء للأصوليّة وسيلةً للإمساك بمنابع الطاقة الأرضيّة وطريقًا لإراحة الكيان الصهيونيّ الغاصب وتمكينه من التفلّت من قيود الحقّ الدوليّ ؟
لا جرم أنّ الإنسان العربيّ في هذه المجتمعات يحيا على الهامش ويسير على الحافة من غير أن يسلك كغيره متن الحياة ويخوض عباب الأمر. ولقد كان هذا التفكير الفلسفيّ السياسيّ في انطلاقته معنيًّا بالتأمّل في واقع الحرّيّة الإعلاميّة في لبنان وسوريا والأردنّ وفلسطين. وإذا به ينتقل إلى التنديد بتواطؤ أهل الاستبداد في هذه المجتمعات مع مصالح الغرب السياسيّ. فيتطرّق إلى الأسباب البنيويّة التي تسدّ على الإنسان العربيّ أبواب التحرّر الذاتيّ. ويخلص إلى استنطاق الاستراتيجيّات الغربيّة عن طبيعة تلاعبها بالوعي العربيّ وبالوجدان العربيّ وبالثروات العربيّة. واليقين في هذا كلّه أنّ تخلّف المجتمعات العربيّة ناشئ من قصور بنيويّ في الوعي العربيّ، وأنّ هذا القصور ترعاه بدهاء مطلق دوائر القرار الاستراتيجيّ الكونيّ، وأنّ الإنسان العربيّ أوشك أن يفقد القدرة النقديّة على الانتفاض. وليس بالمستطاع مواجهة التخلّف السياسيّ في المجتمعات العربيّة إلاّ بالسعي الحثيث إلى مقاربة نقديّة بنّاءة للذات العربيّة حتّى يستأصل المرءُ منها ما علق بها من آثار الأحوال السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، وهي الأحوال التي أوصلت الإنسان العربيّ إلى تصوّر ذاته في هيئة تختلف عن هيئة الإنسان الكونيّ. والواقع أنّ الإنسان توّاق إلى الحرّيّة والإبداع على تنوّع انتماءاته وتعابيره. فكيف يرضى الإنسان العربيّ بهذا التخلّف، اللهمّ إلاّ إذا كان هذا الرضى ضربًا من ضروب الاستجابة لقدر رسمته مشيئةٌ عليا.