ممنوع من السفر... من "السجن الكبير -- خاص لموقع سكايز"
12 Dec, 2009
دمشق - خاص "سكايز"*
كانت رسالة مقتضبة من ضابط أمن سوري
كافية لتصفعني، بعد أن حصلت على تأشيرة أوروبية على جواز سفري، بحقيقة غيّرت مجرى
حياتي، "انت ممنوع من السفر"، قالها الضابط ببرود.
في السنوات الأخيرة ، كثّفت السلطات
السورية الإجراءات والعقوبات ضد الناشطين الحقوقيين واصحاب الرأي السّوريين. من
ضمن هذه الإجراءات الترهيب والسجن ومنع السفر لأكثر من 400 ناشط حقوقيومعارض وسياسي وصحافي ومثقف.
هذاالعمل غير المشروع هو وسيلة السلطة
الفعالة، على ما يبدو، لمنع السوريين من المشاركة فيالمؤتمرات أو الاجتماعات التي تعقد في
الخارج، وفقاً لدراسة حديثة أجراها"المركز
السوري للإعلام وحرية التعبير"، وهو منظمة غير حكومية.
ينص الدستور السّوري على ضمان حق
الأفراد في التنقل بحرية داخل وخارج البلاد من دون رادع، ويمكن للمحاكم وحدها ان
تمنع سفر أحد المواطنين للاشتباه به في قضية جنائية أو مالية، لكن للأسف، كل هذه
"التفاصيل" التي تحويها كتب القانون المحلية والدولية، لا تتطابق مع
واقع الحال في سوريا، فالأجهزة الأمنية لها اليد العليا في تقرير إبقاء البعض منا
وراء القضبان، أواعتقال من تبقى من مفكرين وأصحاب رأي في هذا البلد، الذي أصبح
كسجن كبير، لكثرة القمع الحاصل بحق حرية الرأي والتعبير فيه.
كثيرون ممن مُنعوا من السفر، فُرضت
عليهم عقوبات لا تقل قسوة عن تققيد الحرية. أحد هؤلاء فارس مراد، أمضى 29 عاماً في
السّجن باعتباره "سجين رأي"، وتوفي في آذار/مارس الماضي متأثراً بمرضه بعد
أن رفضت السلطات السماح له بتلقي الرعاية الطبية اللازمة. آخرون، وإن ظلوا "أحراراً" داخل سوريا، إلا ان منع السفر حرمهم
من ملاقاة زوجاتهم وأبنائهم الذين تمكنوا -بفعل الحظ السعيد
ربما- من
مغادرة الأراضي السورية، ليصيروا لاجئين في بلاد الله الواسعة.
المرة الأولى التي أدركت فيها أني ممنوع من السفر، كانت منذ سنوات عديدة،
عندما قررت المشاركة في حدث تنظمه إحدى جماعات الحقوق المدنية في بيروت. سلًمت
أوراقي الثبوتية للضابط المسؤول، بشكل تلقائي وعادي، كأي عابر حدود آخر، لكنه صاح
في وجهي ما إن نظر الى الهوية، وامرني باللحاق به الى أحد المكاتب الداخلية عند
نقطة الحدود البرية مع لبنان. خطوات قليلة أوصلتني الى تلك الغرفة، لكن الخوف من
الاعتقال والأفكار السوداء التي اجتاحت رأسي كانت تكفي لأخذي الى نهاية العالم.
قذف المسؤول سلسلة
من الأسئلة في وجهي: هل أديت الخدمة العسكرية؟ هل لديك مشاكل مع الأمن؟ هل أنت
مجرم؟... وسرعان ما لمعت الحقيقة في رأسي: أنا كغيري من "الزملاء"، ناشط
في حركة الحقوق المدنية، ومن البديهي، هنا في سوريا، أن أكون ممنوعا ًمن السفر.
قيل لي أني سأحتاج الى ختم الموافقة
من أحد فروع الأجهزة الأمنية قبل السماح بسفري الى الخارج، لا يهم، الأولوية عندي
أني لم أحتجز.
حاولت استخدام علاقاتي الخاصة لمناشدة
السلطات السماح لي بزيارة واحدة فقط في الخارج، وكنت حزيناً لرفض الفرصة تلو
الأخرى للمشاركة في مؤتمرات ودورات تدريبية في أوروبا أو في البلدان العربية لأن
الموافقة لم تتم.
في كل مرة كنت أذهب فيها إلى مكتب
الأمن للسؤال عن رفع الحظر، كنت كمن يعرف سلفاً الجواب: "الحظر مستمر".
ساعات طويلة من الاستجواب، أسئلة
متكررة وأحيانا غبية رافق زياراتي الكثيرة الى المقار الأمنية: لماذا تريد السفر؟سوف تلتقي المعارضين؟هل ستعود؟... وأنا أحاول دائما الحفاظ
على الهدوء وإعطاء إجابات متناسقة.
التقيت بجميع أنواع الضباط، بعضهم كان
مهذباً نسبياً، والبعض الآخر جلف، أحدهم ضربني على رأسي، وآخر اتهمني بالكذب
وهددني بالسجن.
فكرت في الحد ظاهرياً من نشاطاتي
السياسية، علهم يعيدون النظر في قرارهم، صحيح انهم لم يفصحوا عن سبب منعي من
السفر، لكنهم كعادة ضباط الأمن السوريين، حاولوا اغرائي بأن أصبح مخبراً، أخون
عائلتي وأصدقائي ومبادئي، وبالطبع لم أكن متعاوناً معهم بالمرة.
في محاولة لتجاهل الحظر المفروض علي
من السفر، تقدمت بمساعدة صديق بطلب للحصول على منحة دراسية قيّمة في أوروبا.حصلت على المنحة وعلى تأشيرة السفر من
السفارة المعنية، لكن رد فعل السلطات السورية الرافض أنهى كل أحلامي.
مجرد التفكير بالابتعاد المؤقت عن عنف
مسؤولي الأمن والخوف من الاستجواب والحبس الانفرادي مريح للنفس. أريدلمرة واحدة تجربة الحياة من دون ضغط،
من قوانين الطوارئ، أو لمجرد أن أقعفي حب امرأة أوروبية وأقول لها أنني
أحبها بلغتها.
لن أسمح لهم بسلبي أحلامي وجميع
المشاهد الجميلة التي تخيلتها عن أوروبا،سأحلم كل يوم بأن أوضاعي وبلادي
ستتغير في يوم من الأيام القريبة.